عبد الوهاب الشعراني

431

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

أن المراد به أنه اطلع على ما تقع فيه أمته من المعاصي بعده ، فكان يستغفر اللّه تعالى لهم لا له ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم لا ذنب عليه ، فقال له قائل فما المراد بقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ غافر : 55 ] . فقال : المراد به ذنب أمته ، وإنما أضيف إليه لأنه هو المشرع لتحريمه ، فكأنه قيل له استغفر لأهل الذنب الذي حرّمته شريعتك ا ه . هكذا رأيته عن الجنيد منقولا في بعض الكتب ، وهو اللائق بمقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى يقول : يهوّن الموت على كل إنسان من الأمة ويصعب بقدر جهاده لنفسه فمن بقي عليه بقية مجاهدة صعب عليه طلوع الروح بقدرها والناس بين مقلّ ومكثر . وأما الخواص الذين لم يبق عليهم من مجاهدة نفوسهم بقية كأبي بكر الصديق وأضرابه فلا يتأثر بطلوع روحه أبدا ، وإنما يتأثر الجسم من حيث فراق من كان سببا لحياته المدبرة له ، فإن اللّه تعالى أوحى إلى الروح أن ادخلي كرها وأخرجي كرها : أي ادخلي كرها عليك وأخرجي كرها على الجسد ، وذلك لأنها من عالم الانفساح والسراح والجسم يقيدها فيه عن سراحها ، وقد أنشد سيدي علي بن وفا رضي اللّه عنه في الروح مخمسا : قد سمعت الرّوح تحكي * أنّ نفس المتزكّي أنشدت كالمتشكّي * أنا في الغربة أبكي ما بكت عين غريب بعد روضي ومروجي * وارتفاعي وعروجي صرت في الضّيق الحريجي * لم أكن عند خروجي من مكاني بمصيب كنت حقّا روح ملكي * فتغرّبت بدركي مع وهم خلد إفكي * فاعجبوا لي ولتركي وطنا فيه حبيبي وأنشد ابن سينا في الروح : هبطت إليك من المحلّ الأرفع * ورقاء ذات تحجّب وتمنّع محجوبة عن كلّ مقلة عارف * وهي الّتي سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربّما * كرهت فراقك وهي ذات تفجّع أنفت وما سكنت فلمّا واصلت * ألفت مجاورة الخراب البلقع وأظنّها نسيت عهودا بالحمى * ومدامعا هطلت ولم تتقطّع إذ عاقها الشّرك الكثيف وصدّها * قفص عن الأوج الفسيح المرفع